أحمد بن علي القلقشندي

262

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وغبر ، وشاع ذكره واشتهر ، من ذوي المراتب العليّة ، والمناصب السّنيّة ، من يساوي هذا السّيّد الجليل فضلا ! أو يدانيه في المعروف قولا وفعلا ؛ قد لبس شرفا لا تطمع الأيام في خلعه ، ولا يتطلَّع الزمان إلى نزعه ، وانتهى إليه المجد فوقف ، وعرف الكرم مكانه فانحاز إليه وعطف ، وحلَّت الرّآسة بفنائه فاستغنت به عن السّوى ، وأناخت السّيادة بأفنائه فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ، فقصرت عنه خطا من يجاريه ، وضاق عنه باع من يناويه ، واجتمعت الألسن على تقريضه فمدح بكلّ لسان ، وتوافقت القلوب على حبّه فكان له بكلّ قلب مكان : ولم يخل من إحسانه لفظ مخبر ولم يخل من تقريظه بطن دفتر ! فهو الحريّ بأن يكتب بأقلام الذّهب جميل مناقبه ، وأن يرقم على صفحات الأيام حميد مطالبه ؛ فلا يذهب على ممرّ الزمان ذكرها ، ولا يزول على توالي الدّهور فخرها . ولما تمّ للعلوم هذا الاجتماع الذي قارن السّعد جلاله ، وتفجّرت ينابيع الفضل خلاله ، أقبلوا بوجوههم على الشّعر معاتبين ، وبما يلزمه من تقريض هذا الحبر ومدحه مطالبين ، وقالوا : قد أتى النّثر من مدحه بقدر طاقته ، وإن لم يوف بجليل قدره ورفيع مكانته ، فلا بدّ من أن تختم هذه الرسالة بأبيات بالمقام لائقة ، ولما نحن فيه من القضيّة الواقعة مطابقة ، قائمة من مدحه بالواجب ، سالكة من ذلك أحسن المسالك وأجمل المذاهب ، لتكمل هذه الرسالة نظما ونثرا ، وتفتنّ في صناعة الأدب خطابة وشعرا ، فقال : سمعا وطاعة ، واستكانة وضراعة ؛ ثم لم يلبث أن قام عجلا ، وأنشد مرتجلا : بشراكم معاشر العلوم أن جمعتم بصدر حبر كامل ! فنونه لم تجتمع لعالم وفضله لم يكتمل لفاضل ! يشفي الصّدور إن غدا مناظرا وبحثه فزينة المحافل ! كم عمّرت دروسه من دارس وزيّنت بحليها من عاطل !